محمد بن جرير الطبري

74

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فانهى صاحب الخبر ذلك إلى المعتصم من يومه ، واتفق الرحيل صلاه الغداة ، وكان إذا ارتحل الناس سارت العساكر على حيالها ، وسار اشناس والافشين وجميع القواد في عسكر أمير المؤمنين ، ووكلوا خلفاءهم بالعساكر ، فيسيرون بها وكان الافشين على الميسره واشناس على الميمنه ، فلما ذهب اشناس إلى المعتصم ، قال له : أحسن أدب عمرو الفرغاني وأحمد بن الخليل ، فإنهما قد حمقا أنفسهما ، فجاء اشناس ركضا إلى معسكره ، فسال عن عمرو وابن الخليل ، فأصاب عمرا ، وكان ابن الخليل قد مضى في الميسره يبادر الروم ، فجاءوه بعمرو الفرغاني ، وقال : هاتوا سياطا ، فمكث طويلا مجردا ليس يؤتى بالسياط ، فتقدم عمه إلى اشناس ، فكلمه في عمرو - وكان عمه أعجميا - وعمرو واقف ، فقال : احملوه ، فالبسوه قباء طاق ، فحملوه على بغل في قبة ، وساروا به إلى العسكر ، وجاء أحمد بن الخليل وهو يركض ، فقال : احبسوا هذا معه ، فانزل عن دابته ، وصير عديله ، ودفعا إلى محمد بن سعيد السعدي يحفظهما ، فكان يضرب لهما مضربا في فازه وحجره ومائدة ، ويفرش لهما فرشا وطيه ، وحوضا من ماء واثقالهما وغلمانهما في العسكر ، لم يحرك منها شيء ، فلم يزالا كذلك حتى صارا إلى جبل الصفصاف وكان اشناس على الساقه ، وكان بغا على ساقه عسكر المعتصم ، فلما صار بالصفصاف ، وسمع الغلام الفرغاني قرابه عمرو بحبس عمرو ، ذكر الغلام للمعتصم ما دار بينه وبين عمرو من الكلام في تلك الليلة ، مما قال له عمرو ، إذا رايت شغبا فالزم خيمتك ، فقال المعتصم لبغا : لا ترحل غدا حتى تجيء اشناس ، فتأخذ منه عمرا ، وتلحقني به ، وكان هذا بالصفصاف . فوقف بغا باعلامه ينتظر اشناس ، وجاء محمد بن سعيد ومعه عمرو واحمد ابن الخليل ، فقال بغا لاشناس : أمرني أمير المؤمنين ان اوافيه بعمرو الساعة ، فانزل عمرو ، وجعل مع أحمد بن الخليل في القبه رجل يعادله ، ومضى بغا بعمرو إلى المعتصم ، فأرسل أحمد بن الخليل غلاما من غلمانه إلى عمرو ، لينظر ما يصنع به ، فرجع الغلام فأخبره انه ادخل على أمير المؤمنين ، فمكث ساعة